خطاب السيد الرئيس حافظ الأسد
في الذكرى الرابعة والعشرين لثورة الثامن من آذار
8/3/1987
أيها الإخوة المواطنون :
أيها الرفاق والأخوة الحضور :
أحييكم في عيدكم ، وأهنئكم بذكرى ثورتكم الذكرى الرابعة والعشرين لثورة الثامن من آذار المجيدة ، ثورة حزب البعث العربي الاشتراكي ، ثورة جماهير الشعب المتطلعة إلى التقدم والاشتراكية ، ثورة التحدي العربي للانفصال والتخلف والاستعمار والصهيونية .
إن ثورتنا مستمرة ، قوية ، أمينة لأهدافها الاستراتيجية ، ثابتة على المبدأ ، قادرة على قبول التحدي، قوية على الصعاب، مستحيلة الأخذ على الأعداء، عزيزة بكم، بوحدتنا الوطنية بجماهير شعبنا وأمتنا الأمينة على أهدافنا المصيرية في الوحدة والحرية والاشتراكية .
لقد كانت ثورتنا تصديا للأعداء في كل مكان ولا تزال ، ونحن مصممون على قبول التحديات الموجهة إلينا وعلى قهرها وإنزال الهزيمة بها وإبقاء رايات شعبنا عالية خفاقة تحمل أماني الأمة وتطلعاتها وحق جماهيرنا في النضال من أجل وحدتها وحريتها وتقدمها .
لقد خطت الثورة ، خطوات واسعة على طريق تحقيق أهدافها في الداخل والخارج قاهرة الكثير من الصعاب ، متخطية الكثير من العقبات ، مطلقة العديد من الطاقات ، ملهمة النضال العربي التحرري والوحدوي ، حتى أصبحت بمنجزاتها وانتصاراتها التحدي الأهم لقوى الاستعمار والصهيونية والردة تتوجه إليها المؤامرات والتهديدات والضغوط والافتراءات .
ونحن الذين لم نتعود أن نحني هاماتنا لأحد أو أن نرضخ لتهديد ، أو أن نجزع أمام تخويف ، أو أن نركع أمام معتد ، أو أن نقبل إملاء خارجيا ، نقول إننا نقبل التحدي الموجه إلينا ، وقرارنا هو الانتصار على الأعداء وإحباط المؤامرات والتقدم بخطا ثابتة على طريق شعبنا وجماهيره العربية ، طريق النصر .
إننا لا نستهين بأعدائنا ، ولا نستخف بالتحديات الموجهة إلينا ، ولا نستسهل الصعاب المحيطة بنا ، ولكننا نعرف مصدر قوتنا وموارد طاقتنا وينابيع العطاء التي لا تنضب في شعبنا ، ولذلك نقول إننا نثق في المستقبل وننظر إليه بتفاؤل فالمستقبل في عالم اليوم هو للشعوب وليس للاستعمار ، ولحركات التحرر الوطني وليس للصهيونية والأنظمة العنصرية ، للتقدم والاستقلال وليس للتخلف والتبعية .
إننا أقوياء بثورتنا وجماهيرها وحيويتها، بأهدافنا التي تعبر عن ضمير جماهير أمتنا، بتصميم جماهيرنا على النضال والتضحية ، بإنجازات ثورتنا في جميع الميادين، بتمسكنا المكين لأهدافنا الاستراتيجية ، برؤيتنا الواضحة لعالم اليوم والصراعات الدائرة فيه ، بوعينا للقوانين التي تحكم الصراع الدائر بين الشعوب وأعدائها على امتداد الكرة الأرضية.
إننا أقوياء بوحدتنا الوطنية التي كانت دوما سلاحنا الأمضى في كل معركة ، بتصميم جماهيرنا على متابعة تقاليدها النضالية المجيدة وتقديم كل التضحيات الضرورية ، كي تبقى سورية حرة قوية صامدة رافعة لواء العروبة والتقدم والاشتراكية .
إننا أقوياء بجماهير أمتنا العربية التي ترفض الاستسلام والخنوع ، المستعدة دوما لخوض معارك التحرير والوحدة والتصدي لاتجاهات الخنوع والذل والاستسلام .
إن ثورتنا لم تكن حدثا عابرا في تاريخ قطرنا وأمتنا ، بل كانت معلما بارزا في هذا التاريخ ، ونقطة تحول في مسار التطور في قطرنا ووطننا ، حسمت وإلى الأبد مسألة القيادة السلطة في قطرنا ، ووضعتها في يد الجماهير وطلائعها الثورية الوحدوية والتقدمية وأسست بذلك القاعدة الصلبة للصمود العربي في وجه المخططات الإمبريالية والصهيونية ، وللعمل العربي الحقيقي من أجل الوحدة العربية والمجتمع العربي الاشتراكي الموحد .
وبثورة الثامن من آذار وبالحركة التصحيحية التي أعادتها إلى مسيرتها الصحيحة وإلى جماهيرها ، تقدمت سورية في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأصبحت طليعة في حركة التحرر الوطني العربية وبين الدول السائرة على طريق التقدم والاشتراكية ، والقوة الرئيسة للصمود العربي في وجه الإمبريالية والصهيونية وحجر الأساس في العمل العربي لتحرير ما اغتصب من الأرض العربية ، واستعادة ما سلب من الحقوق العربية .
لقد كبرت سورية وشمخت بثورتها وأصبحت ، بشهادة الأعداء والأصدقاء قوة يحسب لها الحساب ، تنهار أمام إرادتها مخططات الأعداء ، وتبنى على قوتها ومكانتها حسابات الأشقاء ويعتمد على وفائها وإخلاصها الأصدقاء .
لقد بدّلت ثورة الثامن من آذار وجه سورية تبديلا جذريا في جميع مناحي الحياة ، وسوف تستمر هذه الثورة في جميع مجالات حياتنا تغييرا وتجذيرا . لن نرجع إلى الوراء ، ولن نتردد في التقدم إلى الأمام . لا تراجع أمام التهديدات ، ولا تخاذل أمام التحديات ، ولا نكوص في معركة التحرير ، ولا انكفاء أمام الصعوبات .
لقد أعطى نضالنا ثماره، وتضحياتنا لن تذهب سدى، لقد بنينا صرحا شامخا في كل ميدان وبناؤنا جدير بأن نعتز به وأن ندافع عنه وأن نقدم التضحيات لتطويره والسير به دائما إلى الأمام .
يكفي أيها الإخوة أن نلقي نظرة على سورية قبل ثورة الثامن من آذار وعلى سورية اليوم ، على كل مدينة وبلدة وقرية ، لنكتشف أي عمل عظيم قامت به جماهيرنا وأي إنجاز ضخم أفضت إليه تضحياتنا .
هذه النظرة ضرورية كي نعرف أين كنا ، وأين أصبحنا ، وأي عمل عظيم ينتظرنا .
إن الأجيال الجديرة التي تنعم بمنجزات الثورة ألفت هذه المنجزات وهي تنعم بها ، ومن حقها أن تنعم بها ، ولكن من الضروري أن تعرف أيضا كم من الجهد والتضحية والبذل كان ضروريا لتحقيق هذه المنجزات ، وكم من الجهد والتضحية والبذل ينتظرنا للدفاع عن هذه المنجزات وتطويرها ، والتقدم بخطوات ثابتة ووعي كامل إلى المهام التي تنتظرنا .
إن أبناء شعبنا اليوم هم جيل ثورة آذار فأكثر ملايينهم ولد في عهد الثورة وترعرع في كنفها واستظل بأفياء منجزاتها ، كما ترعرع واستظل بأفيائها مجموع الأطفال واليافعين الذين كانوا يوم قيام الثورة ، إضافة إلى أن مئات كثيرة من الآلاف كانوا من جيل الثورة قبل قيام الثورة ، بعضهم تنظيما ، وبعضهم ولاء فكريا ومن واجبنا اليوم الاستمرار في تعميق روح الثورة وتصليب جيل الثورة ، وبقدر ما نعمق عملية التثوير في شعبنا نوفر الأداة البشرية القادرة على تحقيق طموحات التطوير والتقدم والحرية والاشتراكية .
وبقدر ما نوفر جيلا منيعا متمردا على كل محاولات الإذلال والإهانة والقهر نخلق جيلا قادرا على تحقيق أماني شعبه وأمته .
إن الثورة لم تبلغ غايتها بعد، وهي في حاجة إلى العمل ، وإلى استمرار التضحية والتحصين يجب أن تستمر العملية الثورية وتجذيرها .
إن الجيل الثوري الذي نريد يجعلنا أكثر قدرة على تحقيق استراتيجية شعبية ثورية .
يجب ألا نخضع استراتيجيتنا وأهدافنا لظروف عابرة أو عوامل آنية بل علينا أن نطور هذه الظروف العابرة والعوامل الآنية وأن نطوعها ونعمل على صياغتها بما يلائم استراتيجيتنا وأهدافنا .
وإن لم نفعل ذلك فلن تشغل جزئيات الحياة اليومية ما تحتاجه من تفكيرنا فقط بل ستستغرق فكرنا وجهدنا واهتمامنا كاملا ، وتصبح أعمالنا غير عقلانية ، ضبابية الدليل إن لم تكن عديمة ، ونتوه في شعاب ركام من صغار الأمور وجزئياتها ، ونعالج كل صغيرة وجزئية كأنها قضية كاملة قائمة بذاتها بمعزل عما جاورها أو بعد عنها، فننجح اليوم في صغيرة لنفشل غدا في أخرى ، ونراوح بين نجاح اليوم وفشل الغد ، ومنعكسات اللاحق على السابق ، إلى أن نجد أنفسنا أمام تراكم من العمليات الفاشلة وأمام غد فاشل مستمر ، إذا فالأمر يحتاج إلى رؤية شمولية ما أمكن ذلك .
إننا نواجه تحديات كبيرة ، ونواجه حروبا حقيقية في ميادين عدة تستهدف منعنا من حل قضايانا والتغلب على صعوباتنا وتحقيق أهدافنا ، وتستهدف الإساءة إلى كبريائنا وضرب مصالحنا ، وعبرنا ضرب مصالح الأمة العربية وكبريائها ، ونحن عندما نقوم بواجبنا في الدفاع عن أنفسنا ومنجزاتنا وعزتنا وكبريائنا ومصالحنا ، إنما ندافع عن مصالح الأمة العربية وعزتها وكرامتها وكبريائها وأرضها وحقوقها ، ولذلك تستهدف سورية من الأعداء وتتزايد عليها الضغوط والحملات والتهديدات ، وتُشن عليها الحروب في كل المجالات، ولكن شعبنا المجِّرب ، شعبنا ذا التاريخ الحضاري والتقاليد النضالية والمتمرس فـي كفاح الاستعمار والصهيونية ، كان دوما أقوى من التحديات ، تصدى لها بعرقه ودمه فهزمها وكان أقوى منها . هذا الشعب العظيم سيكون اليوم وفي المستقبل أيضا ، أقوى من كل التحديات وقادرا على قهرها وهزيمتها .
لقد جربوا أخذنا من الخارج ففشلوا ، وجربوا تخويفنا بالتهديدات فاندحروا ، وجربوا التسرب من الداخل فارتدوا، وجربوا استدراجنا بالمغريات فخسئوا، وها هم يجربون كل وسائلهم دفعة واحدة ، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية ، وحظهم في النجاح لن يكون بالتأكيد أفضل منه في أية معركة خاسرة خاضوها ضد شعبنا الأبي .
صحيح إن عندنا صعوبات اقتصادية ، ولكن استعدادنا وتصميمنا على تحملها ومواجهتها سيبعث اليأس في قلوب الأعداء ، والثقة والتفاؤل في صدور الأبناء .
والضغوط التي نتعرض لها لن تصبح بحال من الأحوال قادرة على أن تحدث لنا صعوبات ذات بعد استراتيجي ، وكل ما تستطيع أن تحدثه هو مثل هذه الصعوبات المؤقتة التي ننصرف الآن إلى معالجتها وإيجاد الحلول الناجعة والطويلة الأمد لها .
إن الأمور الاقتصادية طرحت للنقاش والمعالجة أمام القيادات المسؤولة ، أمام الحزب والحكومة والقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية ، في إطار مراجعة شاملة للوضع الاقتصادي ، واتخذت قرارات كثيرة بهذا الشأن تعمل الحكومة على تنفيذها ، ويجب أن تعمل جميع قطاعات الدولة بشكل منسق ومسؤول ومنضبط لكي يكون الأداء جيدا ، ولكي نحقق النتائج الإيجابية لهذه القرارات .
والمواطن هو المنطلق والهدف وهو مركز الاهتمام ، وتتخذ الإجراءات الآن من قبل الجهات المعنية في إطار ما هو ممكن لتخفيف الأعباء عن أصحاب الدخل المحدود بشكل خاص .
أيها الإخوة :
إن ثورة الثامن من آذار كانت ثورة جماهير الشعب بقيادة حزبها الطليعي ، حزب البعث العربي الاشتراكي ، وكانت الجماهير سندهذه الثورة وعدتها وسلاحها ، وقد أعادت الحركة التصحيحية الثورة والحزب إلى الجماهير وأعادت الجماهير إلى حزبها وثورتها ووضعت ثقتها في هذه الجماهير وفتحت أمامها الأبواب للمشاركة في التخطيط والتقرير والتنفيذ عبر المؤسسات الدستورية والمنظمات الجماهيرية وترسيخ وتوسيع الديمقراطية الشعبية . ونحن مصممون على متابعة السير على هذا الطريق .
إن وحدتنا الوطنية كانت دائما الأساس الذي نعتمده في عملنا وتعاوننا وتصدينا للمهام الداخلية والخارجية التي واجهتنا وتواجهنا ، وهذه الوحدة الوطنية أثبتت وجودها وفعاليتها في كل الظروف والمعارك التي خضناها ، وستظل هذه الوحدة القاعدة التي نعلي على أساسها بناءنا الداخلي ونواجه بها القوى المعادية ومؤامراتها .
وقد عززنا وحدتنا الوطنية بإقامة الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ، إطارا واسعا لتحالف وتعاون جميع القوى الوطنية والتقدمية في شعبنا ، ولحشد طاقات هذه القوى في خدمة الوطن والدفاع عن قضاياه . وفي هذه الجبهة متسع لجميع القوى الوطنية والتقدمية ولكل المؤمنين بأهدافها ، وكل الطاقات المصممة على بناء مجتمع التقدم والاشتراكية .
وجماهير الشعب هي قاعدة الحكم وأساسه ، وللمنظمات الشعبية التي نعتز بها دورها الكامل في مسيرة الثورة وفي معركة التحرير والبناء ، وفي ممارسة الرقابة الشعبية وفي المساهمة بفعالية في تنفيذ الإجراءات والتدابير الرامية إلى تجاوز الصعوبات الآنية والمستقبلية وتحسين ظروف المعيشة والعمل .
وكان صدور المرسوم التشريعي رقم 15 للعام 1971 المتضمن قانون الإدارة المحلية الخطوة الكبيرة الثانية ، بعد مجلس الشعب ، على طريق تحقيق الديمقراطية الشعبية وإشراك ممثلي الشعب في ممارسة المسؤولية وإدارة شؤون المواطنين .
والديمقراطية الشعبية لم تعد شعارا بل أصبحت ممارسة حقيقية أغنتها التجربة . وما زلنا نتطلع إلى توسيع وتعميق تجربة الديمقراطية الشعبية لإشراك أوسع الجماهير في تحمل مسؤولية اتخاذ القرار وتنفيذه .
وفي الشهر المنصرم جرت انتخابات الإدارة المحلية لدورة رابعة لمجالس المحافظات ودورة ثانية لمجالس المدن والبلدان ، وقد فاز فيها من وقع عليهم اختيار المواطنين ، ويسرني أن ألاحظ أن عدد النساء الفائزات في هذه الانتخابات قد بلغ مئة وأربعين امرأة مقابل خمس وستين في الانتخابات التي سبقتها ، وهذا يدل على أن المرأة عندنا تتقدم لأخذ مكانها الطبيعي في المجتمع ومؤسساته ولممارسة حقوقها وواجباتها وتحمل مسؤولياتها .
إنني إذ أهنئ الفائزين في انتخابات الإدارة المحلية أدعوهم إلى النهوض على الوجه الأكمل بالمسؤولية التي ألقاها المواطنون على عاتقهم وأن يجعلوا الدورة الجديدة لمجالسهم تحقيقا واقعيا فعالا للديمقراطية الشعبية وعملا بناء لخير وتقدم الحياة في مناطقهم وبالتالي في الوطن عموما .
لقد وصلنا في تطبيق الديمقراطية الشعبية إلى مرحلة من النضج مقبولة ، ولكن كلما نضجت التجربة أكثر أعطت أكثر ، وهل هنالك أهم من أن يقوم الناس بإدارة أمورهم بأنفسهم ، وأن يتولوا بأنفسهم تنفيذ القرارات التي يتخذونها لتحسين حياتهم في جميع المجالات وتقوية وطنهم بوعي وفعالية في جميع الميادين ؟
أيها الإخوة :
لقد دخلت قواتكم المسلحة الباسلة إلى غرب بيروت في مهمة قومية وإنسانية وأخوية ، هي إعادة الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية تلبية لطلب من الأشقاء اللبنانيين . وقد نجحت قواتكم في تأدية مهمتها خير أداء فتوقف الاقتتال وعاد الأمن واستقرت الحياة الطبيعية وعادت المؤسسات الموجودة إلى العمل وممارسة المهام ، وأخذت قوى الأمن والجيش اللبنانية تمارس أداء الواجب ، وطويت صفحة من المآسي والفوضى والاقتتال وقام وضع يساعد على إيجاد الأجواء المؤاتية لتنشيط الحوار الوطني اللبناني الهادف إلى تحقيق الوفاق الوطني .
ونتمنى مخلصين أن يستفيد اللبنانيون كافة من المساعدة السورية للانتقال من التنازع والتخاصم والتقاتل إلى حوار جاد لتحقيق وفاق وطني راسخ ينهي حالة التمزق والاصطراع ويعيد إلى لبنان صحته وعافيته ودوره .
ونحن على استعداد دائما لتقديم كل مساعدة ممكنة لدعم جهود الوفاق وإخراج القطر الشقيق من الوضع الشاذ الذي يعاني منه .
ومن المؤلم أن هناك من خارج لبنان من راعته مساعدة سورية على استتباب الأمن في بيروت ، وبعضهم يصرخ معبرا عن غضبه مما حدث ، ساترا نفسه بعنوان الغيرة على لبنان ، لكي يخفي الإحباط الذي أصيب به نتيجة فشل المخططات المشبوهة التي ارتبط بها وعلق عليها آماله .
أما نحن فنشعر بالسعادة لأننا خلال أيام قليلة أوقفنا حمام الدم الذي لم يسبق له مثيل في بيروت ، وأعدنا الأمن والحياة الطبيعية إليها ، الأمر الذي انعكس إيجابيا على إمكانية الحوار والوفاق ، وكذلك نسبيا على الاقتصاد اللبناني .
نحن قدمنا الأمن لبيروت ، وأجواء الحوار الوطني للإخوة اللبنانيين ، فماذا قدم الآخرون؟ . نحن في سورية ولبنان شعب واحد في الواقع الذي يقوم بكل هذه الأعمال ، والذي يستطيع أن ينقذ لبنان ويقدم التضحيات هو شعبنا ولست أنا أبدا ،أنا فقط أحاول أن أقرأ أو أستلهم إرادة وعواطف شعبنا ومن الطبيعي أن نقدم المساعدة إلى الإخوة اللبنانيين للخروج من المحنة التي وقعوا بها ، وقرارنا هو الوقوف إلى جانب لبنان وتقديم كل مساعدة ممكنة إليه .
ويجب أن يتذكر المتجاهلون أن سورية لم تلب النداءات اللبنانية بطلب المساعدة إلا عندما بدأت المذابح ، واستشرى الاقتتال بشكل لم يسبق له مثيل ، وتشابكت الخيوط واختلطت الألوان ، وضاعت المعالم حتى لم يعد معروفا من يقاتل من ، عند هذا قلنا نعم ، لأنه من خلال هذا الضباب الكثيف ، ولأنه ضباب من الدم والنار ، أدركنا من هو القاتل الحقيقي ، وهذا هو المهم ، فسرنا لملاقاته .ولم يكن في استطاعتنا أن ننظر إلى لبنان الشقيق وهو يغرق في الدم وأن نكتفي ـ كما فعل غيرنا ـ بالنظر إليه من بعيد ، والدعوة له أو عليه ـ هذا إن اكتفوا بالدعاء عليه .
لقد بادرنا إلى العمل لإنقاذ الإخوة اللبنانيين عندما أراد الآخرون إغراقهم ، فأبينا أن نقبل ذلك وقررنا إفشال هذه الخطة .
أيها الإخوة :
إننا مع كل لبناني يريد وحدة لبنان وعروبة لبنان . نحن لا نضمر للإخوة اللبنانيين، إلا الخير . ولا نرى حلا لمشاكل لبنان إلا الحل الوطني ، الوفاق الوطني .
إن الحل النهائي يجب أن يصوغه الإخوة في لبنان ، وسوف تساعد سورية في الوصول إلى هذا الحل وإنجاحه، ولكن يجب أن تتوفر أولا إرادة الوفاق الجادة لدى الإخوة في لبنان.
وعلى الجميع أن يعلموا أن الخروج من الوضع الحالي في لبنان ممكن فقط عبر الوفاق الوطني اللبناني .
لن يأتي أبدا من وراء البحار ، ولن يأتي أبدا من خارج حدود لبنان وسورية .
إن سورية حريصة على لبنان، على وحدة أرضه وشعبه،على تحرير ترابه من الاحتلال الإسرائيلي ومفرزاته، على انتماء لبنان العربي، على دوره في محيطه العربي وفي العالم.
وسورية لا تقول ذلك تزلفا أو تملقا لأحد فلم تعتد ذلك بل من منطلق وطني وقومي ومن نظرة استراتيجية للحاضر والمستقبل ، ومن منطلق الالتزام المطلق بالقضية القومية للأمة العربية. ولا تعارض أبدا بين مصالح سورية الوطنية والقومية وعودة لبنان إلى صحته وعافيته ودوره العربي والدولي ، بل عكس ذلك هو الصحيح .
إن شعبنا في لبنان الذي أسقط بدعم سورية اتفاق السابع عشر من أيار ، وأخرج قوات التدخل الأمريكية والأطلسية من أرضه ، وأذاق المحتلين الإسرائيليين مرارة الهزيمة ، وأرغمهم على سحب قواتهم من مناطق واسعة من أرض لبنان ، هو شعب مؤهل وقادر على تحقيق الوفاق الوطني ، وتوجيه كل الطاقة الوطنية إلى معركة تحرير التراب الوطني من بقايا الاحتلال الإسرائيلي .
إن جميع البنادق اللبنانية يجب أن توجه إلى صدور المحتلين .
ومن هنا أوجه تحية التقدير والإكبار إلى المقاومة الوطنية اللبنانية التي تخوض معارك متواصلة ضد المحتلين الإسرائيليين وعملائهم ، وأؤكد لهم أن سورية ستواصل الوقوف إلى جانبهم وستبقى تقدم الدعم إليهم حتى النصر .
ويجب أن يتأكد كل المناضلين والمقاومين في لبنان من أننا نقدر نضالهم وأعمالهم ضد المحتلين الإسرائيليين وضد الإمبريالية ، ونحن معهم في المعركة ، ولن نتردد أبدا في مد يد المساعدة إليهم .
ومن يقف ضد الإمبريالية والصهيونية لا بد له أن يلتقي مع سورية ، وأن يقدر أيضا توجه سورية في لبنان ، وأن يحترم هذا التوجه وأن يدعمه .
أيها الإخوة :
إن قضية فلسطين هي قضيتنا ، قلنا هذا في الماضي ، ونقوله اليوم ، وسنقوله كل يوم وهذه المقولة لم تكن مطروحة للجدل في بلادنا ، وليست مطروحة الآن ولن تكون مطروحة للجدل في المستقبل .
هي قضيتنا وقضية العرب أجمعين وستظل قضيتنا ، نضحي من أجلها الآن وفي المستقبل كما ضحينا من أجلها في الماضي ، وسنظل مع كل المقولات التي أطلقناها في هذا الشأن وجسدناها عملا وواقعا. ولن يغير موقفنا بعض التصرفات والمواقف التثبيطية التي تقدم عليها وتتخذها هذه الجهة أو تلك ، هذا الطرف أو ذاك ، فلسطينيا كان أم عربيا .
وسيظل موقفنا من قضية فلسطين موقفا مبدئيا ثابتا صامدا ، لا يساوم ولا يفرط .
وسنظل مع الشعب العربي الفلسطيني وثورته ، نناضل معه ومن أجله في جميع الميادين .
سنظل مع الشعب العربي الفلسطيني في رفضه الاستسلام أمام المحتلين والخنوع أمام الغاصبين ، والاستكانة أمام المنحرفين .
وسنظل ، أيها الإخوة ، نسير على طريقنا، سار الآخرون عليه أم ساروا على عكسه. رافقونا على هذا الطريق أم قاتلونا من أجل أن نسير على ضده .
نحن مع فلسطين وسنظل مع فلسطين بالقول والعمل ، بالشعار والموقف بالتمسك بالحقوق الفلسطينية لا بالمساومة عليها ، برفض كل مشروع لا يعترف للشعب العربي الفلسطيني بحقوقه الوطنية ، لا بالركض وراء أوهام الحلول الصهيونية والسير عبر النفق الاستسلامي ومن هذا المكان ، من دمشق الثورة والتحرير ، أوجه التحية باسم جماهيرنا المناضلة إلى جميع المناضلين في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وأؤكد لهم أننا معهم وسنبقى معهم فتحية إليكم أيها المناضلون العرب الفلسطينيون في كل بقعة من أرض فلسطين ، في كل مدينة وقرية ومخيم من مخيماتكم .
ومن هذا المكان أيضا ، وفي عيد ثورتنا ، ثورة الثامن من آذار ، أتوجه بالتحية والتبريك إلى إخوتنا وأبنائنا في الأجزاء المحتلة من الجولان ، الذين يسطرون صفحات مضيئة في تاريخ شعبنا ويضيفون أمجادا جديدة إلى أمجاد ثوار غوطة دمشق ، وجبل العرب ، وجبل الزاوية ، وحلب ، وجبال اللاذقية ، وإلى أمجاد أبطال حرب تشرين التحريرية المجيدة ويؤكدون كل يوم أن لا بديل لتحرير الجولان .
يا أبطال المقاومة في الجولان ، كونوا على ثقة من أن شعبكم معكم ، ولن يفرط بذرة من تراب الجولان ، وإننا على موعد مع التحرير ، وإن الجولان عربي سوري وسيظل كذلك الإسرائيليون يعرفون هذه الحقيقة .
فتحية لكم أيها الإخوة والأبناء في الجولان رجالا ونساء ، شيبا وشبابا .
أيها الإخوة :
نحن نعيش في عالم اشتد فيه الصراع بين قوى التحرر والتقدم والسلام من جهة وقوى الإمبريالية والصهيونية والعنصرية ، من جهة أخرى . إن موقعنا هو في الخندق التحرري المناهض للإمبريالية والعنصرية والصهيونية ، باعتبارنا طليعة من طلائع التحرر الوطني في العالم وقوة رئيسة في حركة التحرر الوطني العربية .
ولنا موقف من جميع القضايا الدولية والإقليمية ندافع عنه في جميع المحافل الدولية، ونعلنه على الناس ، وندعو إليه ونتعاون مع كل الذين لهم موقف مماثل أو متقارب .
إننا مع حركات التحرر الوطني للشعوب بدون تردد ، نقدم إليها كل عون مادي أو معنوي ممكن ، ندافع عن قضاياها في منظمة الأمم المتحدة وخارجها ، ونتعاون معها ومع حلفائها الآخرين لنساعدها على الوصول إلى أهدافها في التحرر والتقدم والسلام ، ولنعجل في عملية تحقيق التطور الشامل في العالم لمصلحة الحرية والتقدم .
ونحن نبني ونطور علاقاتنا مع الدول الأخرى انطلاقا من رغبتنا في إقامة علاقات جيدة مع جميع الدول على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل والمنفعة المشتركة ، والتعاون لفرض احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ، وكذلك انطلاقا من مواقف الدول تجاه قضايانا القومية العادلة من نضالنا لتحرير أراضينا المحتلة واستعادة حقوقنا المغتصبة .
وبقدر ما تكون مواقف الدول الأخرى إيجابية من مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ومن السلام العادل في المنطقة ومن حقنا في استعادة أراضينا وحقوقنا ، تتاح فرص تطوير وتعزيز العلاقات والتعاون في مختلف الميادين .
ومن هنا فإن علاقاتنا مع البلدان الاشتراكية وفي طليعتها الاتحاد السوفييتي جيدة ومتينة وذات طبيعة استراتيجية وسنستمر في تعزيزها في الميادين كافة.
أيها الإخوة :
إن العلاقات الدولية تمر بمرحلة دقيقة حرجة وتشهد توترا يذكر بالوضع الدولي الخطير الذي قام بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وعرف بالحرب الباردة . ويزيد من خطورة الوضع الدولي إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تصعيد سباق التسلح، وتطوير أنظمة أسلحة الدمار الجماعي ، ونقل هذا السباق إلى الفضاء الخارجي ، وإهدار ثروات الشعوب على التسلح ، بدلا من توجيهها لخير الشعوب ، وتحسين ظروف معيشتها وتخليصها من التخلف الذي أورثتها إياه عصور الاستعمار والظلم والاستغلال.
إننا نتأثر بما يجري في العالم كما تؤثر الأوضاع في منطقتنا على وضع العلاقات الدولية فنحن لسنا جزيرة منفصلة عن العالم ، بل نحن في قلب العالم ، وفي نقطة تصالب وتصارع القوى العالمية ، وفي منطقة يؤثر التطور فيها على العلاقات الدولية ويتأثر بوضعها ، ولذلك لنا دورنا ولنا مسؤولياتنا . وعندما تبلغ الأمور حد تهديد حياة البشرية بالفناء وتدفع العلاقات الدولية إلى حافة الانتحار النووي الذي لن يوفر أحدا في العالم ، نحن من واجبنا أن نرفع الصوت وأن ندعو غيرنا إلى رفع الصوت لإبعاد خطر الدمار النووي الشامل عن حياة الناس ، ولدعوة الدول المعنية إلى وقف سباق التسلح النووي والفضائي وتخفيض السلاح الموجود وعقد اتفاقيات دولية لتحريم أسلحة الدمار الجماعي ومنع عسكرة الفضاء .
إننا نقدر المقترحات البناءة التي تقدم بها الاتحاد السوفييتي لنزع السلاح ، وندعو إلى مناقشتها بجدية ومسؤولية للوصول إلى وضع ينزع خوف الدمار النووي من قلوب البشر ، ويعيد الانفراج إلى العلاقات الدولية ، ويساعد على حل النزاعات الدولية وفق مبادىء ميثاق الأمم المتحدة ومصالح السلام والحقوق الطبيعية للشعوب .
إن مسألة الخلاص من التهديد النووي للحياة البشرية على كوكبنا ليست مسألة دولة ما أو منطقة ما من مناطق العالم ، بل هي مسألة كل دولة وكل منطقة وكل إنسان حريص على الحياة والحضارة .
أيها الإخوة المواطنون :
أيها الرفاق :
أيها السادة الحضور :
إن ثورتنا ، ثورة الثامن من آذار ، تتقدم بثقة وثبات وتفاؤل إلى عامها الخامس والعشرين ونحن نتطلع إلى ربع القرن الثاني من عمر ثورتنا بكثير من التفاؤل والثقة وبكثير من التصميم على حماية منجزات الثورة وعلى تطويرها وتوسيعها وتعميقها لمصلحة جماهير الشعب وأهداف الأمة .
وإذا كانت السنوات الماضية من عمر الثورة قد شهدت الوحدة الوطنية ويقظة الجماهير وتضحياتها وتصديها الشجاع لمهام المراحل التي انقضت وخوضها معارك الشرف ضد الأعداء الداخليين والخارجيين وانتصاراتها على طريق البناء والإعداد للتحرير ، فإن المرحلة الحاضرة والمراحل القادمة تتطلب من جميع المناضلين في حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ، ومن كل الوطنيين والتقدميين ، ومن جميع الإخوة المواطنين ، أن يتحلوا باليقظة والوعي ، والشعور الكبير بالمسؤولية الوطنية والقومية أكثر مما فعلوا في أية مرحلة سابقة.
لقد كان مطلوبا منا دائما أن نجسد الغيرة الوطنية والشعور بالمسؤولية وأن نقدم التضحيات كي تبقى سورية قوية شامخة ، منيعة ، حاملة رسالة الأمة ، عاملة على تحقيق أهداف الجماهير ، قادرة على إحباط مؤامرات الإمبريالية والصهيونية.
ومطلوب منا الآن تجسيدها أكثر من أية مرحلة سابقة.
أيها الإخوة والأبناء المواطنون :
إنكم بموقفكم من مهام المرحلة الحالية وتضحياتكم ووعيكم للمهام الملقاة على عاتق قطركم تسجلون صفحات جديدة ناصعة من التاريخ ، ولا بد لمواقفكم وتضحياتكم من أن تقود إلى النصر فتفخرون أنتم ، ويفخر بكم أبناؤكم ، وتفخر بكم جماهير أمتكم وأجيالكم القادمة .
لقد تعرضنا سابقا للصعاب فطوعناها وسيطرنا عليها وحافظنا على استمرار حركة حرية شعبنا وتطوره .
وليس غريبا أن تعترضنا الصعاب ، وليس غريبا ولا جديدا أن نجابه الصعاب بقوة وتصميم وأن نقتحمها ونذللها بعملنا وجهدنا ووعينا وتضحياتنا .
وكما خرج آباؤنا وأجدادنا في الماضي وخرجنا نحن من المعارك السابقة منتصرين على صعاب وتحديات سابقة ، سنخرج من الصعاب الحالية منتصرين عليها ، مرفوعي الرؤوس موفوري الكرامة مواصلين السير على طريق تحقيق أهدافنا الوطنية والقومية .
والحفاظ على كرامة الوطن وعزته وإبائه وحريته يستدعي من كل شعب تقديم التضحيات وشعبنا الذي يضحي بالدم من أجل الوطن قادر ومستعد للتضحية بكثير من الحاجات الثانوية والأساسية ، فالصعوبات الآتية زائلة حتما بعملنا وجهدنا وتضحياتنا وتمسكنا بهدف بناء مجتمع التقدم والاشتراكية ، ولن تصرفنا الضغوط الحالية والتهديدات العدوانية عن التطلع إلى المستقبل ولا عن التمسك بأهدافنا الاستراتيجية ولن توقف عملية البناء الداخلي ، ولن تؤثر على قرارنا بالعمل على إقامة التوازن الاستراتيجي مع العدو ، وستظل قواتنا المسلحة تحظى باهتمامنا وسعينا لتزويدها بكل ما هو ضروري للدفاع عن الوطن وللنهوض بالمهام الوطنية والقومية الملقاة على عاتقها ولرفع راية التحرير عاليا .
لقد أثبتت قواتنا المسلحة في الماضي أنها جديرة بالثقة التي وضعها فيها شعبنا وأمتنا . فتحية إليكم أيها الأبناء في القوات المسلحة في كل مكان أنتم فيه .
تحية إلى كل جندي وصف ضابط وضابط في قواتنا المسلحة .
إن ثقتنا وثقة أمتكم فيكم كبيرة وأملنا فيكم كبير ، وموعدنا ، شعبا وجيشا ، مع النصر .
أيها الإخوة والأبناء المواطنون :
أيها الرفاق والإخوة الحضور :
إننا فخورون بما حققناه حتى الآن ، وعازمون على متابعة السير على طريق الثورة معتمدين على نبل ووفاء وشجاعة شعبنا العظيم وتلاحم صفوفنا الوطنية والتقدمية واستعداد جماهيرنا وقواتنا المسلحة للتضحية والبذل من أجل بلوغ أهداف أمتنا في الوحدة والحرية والاشتراكية .
أهنئكم بعيد الثورة .
وكل عام ، كلنا على طريق النصر ، وليمت أعداؤكم .
والسلام عليكم